أبو علي سينا
301
النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )
وأما الذي يتوهم « 1 » من أن النفس إذا كانت تنسى معقولاتها ولا تفعل فعلها مع مرض البدن وعند الشيخوخة فلذلك لها بسبب أن فعلها لا يتم إلا بالبدن ، فظنّ غير ضروري ولا حقّ ، وذلك أنه قد يمكن أن يجتمع الأمران جميعا ، فتكون النفس لها فعل بذاتها إذا لم يعق عائق ولم يصرف عنه صارف ، وأنها أيضا قد تترك فعلها الخاص مع حال يعرض للبدن فلا تفعل حينئذ فعلها وتصرف عنه ، ويستمر القولان من غير تناقض « 2 » . وإذا كان كذلك لم يكن إلى هذا الاعتراض التفات . ولكنا نقول : ان جوهر النفس له فعلان : فعل له بالقياس إلى البدن ، وهو السياسة . وفعل له بالقياس إلى ذاته وإلى مبادئه وهو الإدراك بالعقل ؛ وهما متعاندان متمانعان ، فإنه إذا اشتغل بأحدهما انصرف عن الآخر ، ويصعب عليه الجمع بين الأمرين . وشواغله « 3 » من جهة البدن الإحساس « 4 » والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والفرح والوجع . وأنت تعلم هذا بأنك إذا أخذت تفكر في معقول تعطّل عليك كل شئ من هذه ، إلا أن تغلب هي النفس وتقسرها رادّة إياها إلى جهتها .
--> ( 1 ) - قوله : « واما الذي يتوهم » أقول : هذا السؤال وجوابه يتضمن برهانا آخر على تجرد جوهر النفس الناطقة كما قد جعله الشيخ نفسه الحجة التاسعة من رسالته « الحجج العشر » على ذلك . وكذلك جعله أبو البركات في « المعتبر » الحجة العاشرة . وصدر المتألهين في « الاسفار » . الحجة الحادية عشر . والحكيم السبزواري في « اسرار الحكم » البرهان الحادي عشر أيضا . وراجع في تفصيل ذلك كتابنا عيون مسائل النفس . ( 2 ) - لان أحدهما ذاتي والآخر عرضى . ( 3 ) - مبتدأ . ( 4 ) - خبر .